الأرض لا تُسرق بالدبابات فقط.. بل بالتطبيع أيضًا
ليليان عبد الخالق
طالبة ماستر علوم سياسية
بين الأرض والذاكرة: حكاية الجنوب
الأرض لا تكذب. حين تُنتزع قريةٌ، حين يُهجَّر أهل الجنوب مرة بعد مرة، حين تُرسم حدودٌ فوق رؤوس أصحابها دون أن يُسألوا.
الأرض تحفظ كل شيء في صخرها وتينها وزيتونها المعمَّر. الأرض ذاكرةٌ لا تُزوَّر، حتى حين يُزوَّر التاريخ.
في قرى الجنوب اللبناني، بقيت عدد من العائلات في منازلهم. لم يكن معهم سلاحٌ سوى الأرض. يعرفون شيئًا لا يعرفه الكثيرون: أن من يترك أرضه يترك اسمه، ومن يترك اسمه يُمحى.
نحن نتحدث كثيرًا عن الأرض حين تُقصَف. لكننا نصمت حين تُسرق ببطء عندما يهاجر أبناؤها بعيداً وتبقى البيوت موصدة والحقول مهجورة والذاكرة تتآكل في صمت لا يسمعه أحد. الوطن الذي لا يُدرَّس لأبنائه يُنسى. والذي يُنسى يُفقد. والذي يُفقد لا يُستعاد بالندم.
بين الأرض والوعي: معركة البقاء
حين يُقال "الدفاع عن الأرض"، يتبادر إلى الذهن البندقية والخندق والتضحية بالدم. وكل ذلك حقيقي وواجب. لكن ثمة خندقٌ آخر لا يقلّ أهميةً وهو خندق الوعي.
الوعي الوطني لا يُولد تلقائياً. بل يُبنى، ويُروى، ويُعلَّم، ويُمرَّر من جدٍّ إلى حفيد، ومن معلمٍ إلى تلميذ، ومن ذاكرةٍ جماعية إلى هوية راسخة.
لكن حين تتوقف هذه السلسلة إذا صمت المعلم خوفاً أو إحباطاً، وحين تُنسف المدارس، وتصير التربية الوطنية مادةً ثانويةً في المناهج، حينها ينهار الخندق من الداخل قبل أن يُهاجَم من الخارج. تحصين الوعي ليس ترفاً ثقافياً هو ضرورةٌ وجودية. هو الفرق بين شعبٍ يعرف لماذا يرفض التطبيع وشعب لا يعرف حتى ما الذي سيخسره إن قَبِل.
أهل الأرض في بنت جبيل وصور والخيام والنبطية وكل قريةٍ دفعت ثمن الصمود يصرخون اليوم بأكثر من صوت. يصرخون حين تجبل دماء أبنائهم بتراب الجنوب. يصرخون حين تُعقد صفقاتٌ فوق رؤوسهم في عواصم بعيدة لم يرَ أصحابها يوماً شجرة تين جنوبية. هذه الصرخة ليست ضعفاً هي الدليل على أن الجذور لا تزال حيّة.
لا يُبنى الوعي الوطني بخطابٍ في ذكرى أو تأبين شهيد. يُبنى بتعليم الأطفال عن وطنهم. يُبنى حين يُكرَّم الفلاح الذي بقي في أرضه. يُبنى حين تصير الأرض الجنوبية مشروعاً حقيقياً بنيةً وطرقاً واقتصاداً وكرامةً لا مجرد شعارات تُرفع في المهرجانات.
المعركة على معنى الوطن
الحروب الطويلة تحاول أن تترك داخلنا شيئاً أخطر من الدمار: التعب. تعب الروح، وتعب المعنى، وتعب الإيمان بأن لهذه الأرض قضية تستحق البقاء. وحين يدخل هذا التعب إلى الأجيال الجديدة، يصبح الاحتلال أكثر خطورة لأنه لا يعود بحاجةٍ إلى اجتياحٍ عسكري دائم، بل يكتفي بأن يتحوّل وجوده مع الوقت إلى أمرٍ "طبيعي" في الوعي العام. وهنا تحديداً يبدأ خطر التطبيع: ليس كاتفاق سياسي فقط، بل كمحاولة لكسر الحسّ الوطني وتحويل الصراع من قضية حقٍّ إلى مجرد "نزاع قابل للتسوية".
السؤال الذي يجب أن يُزعزعنا كل صباح: هل نبني خندق الوعي قبل أن يُبنى فوق أرضنا ما لا يُهدَم؟
لأن الأرض لا تُورَث بالصمت بل تُورَث بالذاكرة، والإباء، والبقاء. ما دام أهل الأرض صامدين فيها تبقى حيّة. لكن المعركة الحقيقية هي أن يبقى الوعي حياً فيهم. نحن لا نحرس حدود الأرض فقط بل نحرس معنى الأرض أيضاً.
الاحتلال يخشى الإنسان الذي يبقى. ويخشى أكثر بكثير الإنسان الذي يبقى صامداً وهو يعرف لماذا بقي.
#خلّي_عينك_علبنان