لبنان في قلب التفاوض الأميركي–الإيراني: بين سرديات القوة ووقائع الضغط

بقلم: فادي علي رضا
أستاذ جامعي وباحث في علم اجتماع السياسة




أعاد تصريح وزير الخارجية الباكستاني، الذي وضع لبنان في صدارة نقاط الخلاف بين واشنطن وطهران، تسليط الضوء على تحوّل لافت في موقع الساحة اللبنانية ضمن هندسة التفاوض الإقليمي. فهل يعكس هذا التصريح واقعًا تفاوضيًا جديدًا، أم أنه يندرج في إطار إدارة السرديات بين طرفين يتنازعان تعريف “النصر” وحدود التنازل؟
خلال الأيام الماضية، برز تباين حاد في الخطاب السياسي بين الولايات المتحدة وإيران. فقد تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن مسارات تهدئة محتملة تتصل بملفات حساسة، في مقابل نفي إيراني شامل لهذه الروايات، ورفع لسقف الخطاب عبر التلويح بأوراق ضغط استراتيجية. هذا التناقض لا يمكن قراءته كاختلاف في المواقف فحسب، بل كجزء من معركة سرديات موازية لمسار التفاوض نفسه، يسعى فيها كل طرف إلى تثبيت روايته كمرجعية سياسية وإعلامية.

الجغرافيا كسلاح تفاوضي
في قلب هذه المعادلة، تعود الجغرافيا لتلعب دورها الكلاسيكي كأداة ضغط. يشكّل مضيق هرمز نقطة ارتكاز أساسية في الاستراتيجية الإيرانية، نظرًا لكونه شريانًا حيويًا لتدفق الطاقة عالميًا. وفي موازاة ذلك، يبرز باب المندب كامتداد جيوسياسي لأي تصعيد محتمل، ما يضاعف من حجم التأثير على التجارة الدولية.
إن توظيف هذه الممرات لا يقتصر على التهديد العسكري المباشر، بل يتعداه إلى خلق حالة من الضغط الاقتصادي العالمي، تدفع القوى الدولية إلى الانخراط في مسارات التهدئة. ومن هنا، يمكن فهم الربط غير المباشر بين استقرار هذه الممرات ومسار التفاوض السياسي.

لبنان: من ساحة اشتباك إلى ورقة تفاوض
إدراج لبنان ضمن سياق التهدئة، أو ربط استقراره بنتائج التفاوض، يشير إلى تحوّل نوعي في موقعه. فلم يعد مجرد ساحة تأثير غير مباشر، بل بات عنصرًا تفاوضيًا حاضرًا في الحسابات الإقليمية.
هذا التحول يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الدور اللبناني في المرحلة المقبلة: هل يُستخدم كورقة ضغط متبادلة بين الأطراف، أم أنه بات جزءًا من تسوية أوسع تعيد رسم توازنات المنطقة؟ في هذا السياق، يصبح “حل المعضلة اللبنانية” تعبيرًا مفتوحًا على احتمالات متعددة، تتراوح بين تثبيت قواعد اشتباك جديدة، وإدماج لبنان في ترتيبات إقليمية أوسع.

بين التصعيد والتسوية: مسار تفاوضي معقّد
التباين في التصريحات، وتحديد مهل زمنية، والتلويح بالتصعيد، كلها مؤشرات على أن المسار التفاوضي دخل مرحلة حساسة تتداخل فيها أدوات الضغط مع حسابات الردع. غير أن هذا التصعيد الخطابي لا يعني بالضرورة اقتراب الانفجار، بل قد يعكس محاولة متبادلة لتحسين شروط التفاوض قبل الوصول إلى صيغة تفاهم.

في هذا الإطار، يمكن رصد ثلاثة مسارات محتملة:
اتفاق مرحلي واسع يقوم على تفاهمات متدرجة
تصعيد محدود بهدف تعديل موازين التفاوض
أو استمرار المراوحة ضمن حالة “اللا حرب واللا اتفاق”


في ضوء تراكُم المؤشرات الميدانية والتناقض الحاد في الخطاب السياسي، يبدو أن مسار التفاوض بين واشنطن وطهران دخل مرحلة حاسمة عنوانها رفع السقوف لتحسين شروط التسوية، لا الذهاب إلى مواجهة مفتوحة. فالتلويح الأميركي بالتصعيد، كما في خطاب دونالد ترامب، يقابله تمسّك إيراني بأوراق ضغط جيوسياسية واقتصادية يصعب تجاوزها، من بينها التحكم بإيقاع الممرات البحرية الحيوية.
وبينما تُستخدم هذه الأوراق—وفي مقدّمها مضيق هرمز—كأدوات ضغط تفاوضي، يتضح أن سقف المواجهة يبقى مضبوطًا بإدراك متبادل لكلفتها العالية وغياب أفق الحسم فيها. من هنا، يبرز الاتجاه الأكثر ترجيحًا نحو تفاهم مرحلي واسع، لا يُعلن كاتفاق نهائي شامل، بل كحزمة ترتيبات متدرجة توازن بين متطلبات الردع ومقتضيات الاستقرار.
ضمن هذه المعادلة، يثبت لبنان حضوره كأحد مفاتيح التفاوض، لا كساحة هامشية. فإدراجه في سياق التهدئة يعكس تحوّله إلى ورقة توازن إقليمي، ترتبط استقراره بمآلات التفاهمات الأوسع، لا بالوقائع الداخلية فقط.

وعليه، فإن ما يتبلور في الأفق ليس انتصارًا حاسمًا لأي من الطرفين، بل إعادة إنتاج لتوازن قلق، تُعاد ضمنه صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة. توازنٌ يفتح الباب أمام تسويات جزئية قابلة للتراكم، ويؤشر إلى انتقال تدريجي من منطق المواجهة إلى إدارة الصراع عبر التفاوض، مع بقاء عناصر الضغط قائمة كضمانة دائمة لهذا المسار.
في هذا التوازن، لا تُحسم المعارك… بل تُدار.

منشورات ذات صلة