سياسات الحكومة اللبنانية تحوِّل الجنوب إلى "أرض مباحة" للاستعمار
كتبت المحاضرة في العلوم السياسية في جامعة كارديف د. أمل سعد على حسابها على منصة "اكس" في 31 آذار 2026 تحت عنوان "كيف تحوّل الحكومة جنوب لبنان إلى أرضٍ مباحة "أرض لا أحد"":
يُعدّ مفهوم "الأرض المباحة" (Terra nullius) عقيدة قانونية استخدمتها القوى الاستعمارية الأوروبية لإعلان أراضٍ مأهولة متاحة للاستيلاء، وهو المفهوم الذي استخدمته "إسرائيل" لتبرير استعمارها لفلسطين. لم تُعلن الأرض "مباحة" لأنها خالية من السكان، بل لأن من يعيشون فيها اعتُبروا غير ذي شأن، وكأنهم غير مرئيين. وهذا تحديدًا ما تحاول إسرائيل فعله اليوم في جنوب لبنان، في حين أن الحكومة اللبنانية لا تكتفي بالفشل في منع هذه العملية، بل تسهم فعليًا في إنتاج الظروف التي تجعلها ممكنة.
صباح اليوم، انسحب الجيش اللبناني بشكل استباقي من القرى المسيحية الواقعة على خط المواجهة، وهي رميش ودبل وعين إبل، بناءً على أوامر بعدم الدفاع عن نفسه، رغم احتجاجات السكان المحليين، وذلك لتفادي تطويق القوات الإسرائيلية المتقدمة. وفي الوقت نفسه، أصدرت الدولة مؤخرًا توجيهًا بإخلاء ثلاثة عشر مركز إيواء في قضاء صور امتثالًا لمطالب عسكرية إسرائيلية، ما حرم عشرات الآلاف من السكان من المأوى، في وقت تتحرك فيه "إسرائيل" نحو تنفيذ تطهير عرقي في الجنوب. وفي تطور موازٍ يكشف عبثية هذا الامتثال، أعلنت "إسرائيل" اليوم نيتها هدم قرى لبنانية على غرار نموذج رفح، وترسيخ خط احتلال دائم عند نهر الليطاني ضمن "منطقة أمنية" أوسع تمتد نحو 40 كلم شمال الحدود حتى الزهراني، ومنع عودة مئات آلاف النازحين الجنوبيين.
من خلال استحواذها على مؤسسات الدولة، وفي الوقت نفسه الامتناع المنهجي عن استخدامها للدفاع عن الدولة، لا تفشل الحكومة اللبنانية في أن تكون دولة فحسب، بل تمنع الدولة من أن تكون كذلك. ومن خلال كل هذه الأفعال، تُحوّل جنوب لبنان إلى "أرض بلا صاحب"، وبالتالي تنزع السيادة عن الدولة اللبنانية من الداخل. ومن المهم التأكيد هنا أن قوة احتلال تتقدم إلى أراضٍ أخلتها الدولة طوعًا تتمتع بموقع قانوني وسياسي مختلف جذريًا عن قوة تتقدم في مواجهة مقاومة نشطة، لأن الانسحاب لا يكتفي بعدم مواجهة الاحتلال، بل يخاطر بمنحه شرعية من خلال تسليم الأرض دون قتال.
ما يطعن في هذا الواقع، قانونيًا وسياسيًا، هم سكان رميش وعين إبل الذين رفضوا مغادرة بلداتهم، وكذلك المقاتلون المنظمون الذين يواصلون المقاومة. فعندما يتقدم جيش أجنبي في مواجهة مقاومة مسلحة مستمرة، يتعامل القانون الدولي مع الأرض على أنها محتلة أو متنازع عليها، وليس كأرض انتقلت سيادتها إلى المحتل. وذلك لأن استمرار عدم القبول، حتى وإن حملته قوى لا تتطابق رسميًا مع الجيش النظامي للدولة، يمنع التقدم العسكري من التحول إلى نقلٍ للسيادة.
باختصار، تدافع المقاومة المسلحة والشعبية عن وحدة الأراضي اللبنانية كدولة، وتُظهر أن الدولة لا تختزل في مؤسساتها الحاكمة، بل تشمل المجتمع الذي يُشكّلها ويمارس وظيفة سيادية في الدفاع عنها. وبالمعنى السياسي والقانوني، ما دامت هناك مقاومة، تبقى هناك دولة لبنانية وسيادتها قائمة.