أمور لا تحدث إلا في لبنان!
التمجيد بقتل سارق دراجة نارية وتجريم تدمير دبابات الغزاة المحتلينأثارت حادثتان منفصلتان في قلب العاصمة بيروت وبعض القرى الحدودية المسيحية الحدودية في الجنوب، تساؤلات جوهرية حول انتقائية الحق في الدفاع عن النفس.
"بطل كاراكاس" وقانون الغاب
بدأت القصة من حي كاراكاس في قلب العاصمة بيروت، حيث أقدم مواطن على قتل سارق حاول سلبه دراجته النارية. وفي غضون ساعات، تحول الفعل إلى "ملحمة بطولية" في نظر نواب ووزراء وناشطين، اعتبروا أن "الدفاع عن الممتلكات حق مقدس يكفله الدستور"، مطالبين بإطلاق سراحه فوراً وتجاوز الإجراءات القضائية التقليدية بحجة غياب الدولة وعجز أجهزتها الأمنية.
بالتزامن مع ذلك، شهدت قرى "عين إبل" و"دبل" الحدودية موجة من الغضب والاتهامات للجيش اللبناني بعد إخلائه لبعض المراكز العسكرية نتيجة التطورات الميدانية. اللافت هنا كان خطاب بعض الجهات اليمينية التي اتهمت الدولة بـ"التخلي" عن مواطنيها، مطالبة بـ "حق القرى في حماية نفسها" أو اللجوء للتدخل الدولي.
هذا المطلب أعاد إلى الواجهة منطق "الأمن الذاتي"، حيث يصبح السلاح ضرورة شرعية ومطلباً ملحاً عندما يتعلق الأمر بأمن منطقة جغرافية محددة أو طائفة بعينها.
متى يصبح السلاح "حلالاً"؟
تكشف هذه الأحداث عن مفارقة في منطق القوى المناهضة للمقاومة، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
- مشروعية السلاح بحسب المكان: في بيروت وعين إبل، يُعتبر السلاح أداة "شريفة" لحماية "الموتوسيكل" أو "البيت"، بينما يُصنف سلاح المقاومة في الجنوب كـ "خروج عن الشرعية" رغم توجيهه للدفاع عن الأرض ضد عدو يعلن صراحة نيته احتلال شريط حدودي بعمق 10 كيلومترات وتفريغه من سكانه.
- الثقة بالدولة: يطالب هؤلاء المقاومة بتسليم سلاحها للجيش بذريعة "حصر السلاح بيد الدولة"، لكنهم هم أنفسهم يفقدون الثقة بالجيش والقانون عند وقوع أول حادثة سرقة أو تحرك عسكري، داعين للتمرد على الإجراءات الرسمية أو إلى ممارسة الأمن الذاتي.
- تجزئة السيادة: تظهر هذه المواقف أن "السيادة" في قاموس البعض هي مفهوم مجتزأ؛ فالدفاع عن "الممتلكات الفردية" مبرر بكل الوسائل، أما الدفاع عن كل الوطن بوجه مشروع عدواني توسعي، فهو مغامرة وعبء.
يبدو أن الأزمة ليست في مبدأ حمل السلاح أو في الحفاظ على هيبة الدولة، بل في هويتي "العدو" و"المدافع". ففي منطق التبعية للسفارات واليمين الانعزالي، يصبح السلاح حقاً طبيعياً طالما أنه لا يواجه المشروع الإسرائيلي وينحصر في الزواريب الضيقة، ويتحول إلى خطيئة كبرى إذا ما وُجّه لكسر هيبة الاحتلال ومنع أطماعه في الأرض اللبنانية.