«صواريخ الليطاني»... دولةٌ لم تكتمل

بقلم: علي نقر
(صحافي)



هل كان إبراهيم عبد العال يحتاج إلى نزع سلاحه كي تُستكمل الدولة؟ السؤال مستفزّ، لكنه يكشف اختزالًا أشدّ استفزازًا: أن يُختصر تاريخ العجز اللبناني بسلاح المقاومة، كأننا كنّا دولةً مكتملةً قبل ظهوره. ماذا نفعل، إذًا، بتاريخ المشاريع التي سبقت هذا السلاح، وامتلك أصحابها العلم والتصوّر، ولم يتحوّل طموحهم إلى نهضة مستدامة؟

يُعيد عرض «الجمعية اللبنانية للصواريخ»، ضمن أسبوع السينما اللبنانية الذي تنظمه وزارة الثقافة والسينماتيك اللبنانية مجانًا، فتح هذا الجرح. يستحضر فيلم جوانا حاجي توما وخليل جريج تجربة طلاب وباحثين في هايكازيان، بقيادة مانوغ مانوغيان، صنعوا وأطلقوا صواريخ للأبحاث العلمية في الستينيات. قبل أن يصبح الصاروخ عنوانًا للانقسام، كان أيضًا سؤالًا علميًّا يطرحه لبنانيون على المستقبل.

مضى أكثر من عقد على الفيلم، وعقود على توقّف التجربة. فهل يعرف الجيل الجديد أن هذا البلد حاول امتلاك معرفة الصاروخ، أم يعرف فقط أنه مطالب بالخوف منه؟ بين الذاكرتين مسافة سياسية: شعب يعرف محاولاته وإنجازاته يستطيع مساءلة تعثّرها؛ وشعب يجهلها يسهل إقناعه بأن صغر بلده حكمٌ عليه بالعجز.

لكن فلنترك الصواريخ جانبًا. لنسلّم بأن تقنيتها تثير الحساسيات وتتداخل فيها الاستخدامات العلمية والعسكرية. ما حجة العجز أمام الماء؟

عام 1948، نشر إبراهيم عبد العال دراسته الهيدرولوجية عن الليطاني. كانت رؤيته تصل المورد بمشروع مجتمع: مياه توسّع الزراعة، وكهرباء تسند الإنتاج، وتنمية تتيح للناس البقاء في قراهم. وتروي إيمان عبد العال في «السفير» كيف حمل المعرفة والأرقام إلى الدفاع عن الحقوق المائية اللبنانية. فالسيادة عنده تبدأ بأن تعرف ما تملك، وتعرف كيف تحميه وتنتفع به.

أُنجزت منشآت كهرومائية، لكن الرؤية المتكاملة لم تتحقّق، وتراكم الإهمال والتلوّث. هنا تسقط ذريعة العجز الطبيعي: النهر موجود، والخبرة موجودة، والمشروع بدأ فعلًا. فلماذا لم يصبح استكماله أولويةً وطنية؟ وأين كانت الدولة التي تُستدعى اليوم في كل خطاب، حين كان إهمال مواردها يقوّض قدرتها على الوقوف؟

هذه هي «صواريخ الليطاني»: المعرفة حين تتحوّل إلى قوة للبلد. لا تتطابق حكاية النهر مع حكاية الصواريخ، لكنهما تلتقيان عند السؤال الذي يجري تأجيله: أيّ دولة نبني بهذه الإمكانات؟ دولة تنتج أسباب استقلالها، أم سلطة تدير حاجتها إلى الخارج؟

إلى أصحاب «لبنان أوّلًا وأخيرًا»: اشرحوا لنا كيف يصبح لبنان أوّلًا إذا ظلّ علمه بلا أفق، وماؤه ملوّثًا، وإنتاجه متعثّرًا. المطالبة بحصرية السلاح لا تجيب وحدها عن هذه الأسئلة. ومن يعد اللبنانيين بأن الدولة ستقوم بمجرّد نزعه، مطالب بتفسير ما عطّل شروط قيامها قبل وجوده. التاريخ هنا يسائل الوعد السياسي، ولا يمنح أحدًا إعفاءً من المحاسبة.

هنا ينكشف الفارق بين بقاء الكيان وقيام الدولة. يستطيع الكيان أن يحتفظ بعلمه وحدوده ومقعده الدولي، فيما تتآكل قدرته على حماية الناس وتأمين مستقبلهم. أما الدولة فتحتاج إلى تحويل المعرفة والموارد إلى إنتاج وحقوق وقدرة على الدفاع. ولهذا، فإن أخطر ما في خطاب «الدولة أوّلًا» أن يتحوّل إلى مطالبة اللبنانيين بالتخلّي عمّا يملكون من قوة، مقابل وعدٍ لا يشرح أصحابه كيف سيبنون البديل. من الصواريخ إلى الليطاني، امتلك لبنان بداياتٍ تستحقّ أن تُستكمل. فلماذا يُطلب منه دائمًا أن يبدأ من نزع قوته، لا من استكمالها؟

منشورات ذات صلة