"إسرائيل" تستهدف تاريخ الجنوب: مطحنة وادي الحجير شاهد على عدوان يطاول التراث

امتدّ العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان إلى المعالم التاريخيّة والتراثيّة، وآخرها مطحنة وادي الحجير الأثريّة التي استهدفها الاحتلال يوم الجمعة، 9 تشرين الأول 2026، في اعتداء يطاول الذاكرة الجماعيّة للأهالي وارتباطهم التاريخي بأرضهم.

تضمّ المطحنة مواصفات معماريّة وتقنيّة فريدة، إذ تُعدّ بناءً حجريًّا أثريًّا يعمل بالدفع المائي عبر استغلال قوّة تدفّق المياه لتدوير حجر الطحن واصطدامه بحجر آخر دون الحاجة للكهرباء، وهي تتواجد في وادي الحجير ضمن محيط غني بالمنتزهات والمعالم السياحيّة. الجدير بالذكر أن هذه المطحنة تُعدّ واحدة من بين 4 مطاحن أثريّة متواجدة في وادي الحجير جرى استهدافها جميعًا في أوقات متباعدة، ممّا أدّى إلى إلحاق أضرار كارثيّة بهذا الإرث التراثي والمباني الحجريّة.

وفي مقابلة خاصّة مع منصّة «بيروت ريفيو»، يتحدّث رئيس محميّة وادي الحجير، محمد نور الدين، عن الأهمّيّة التاريخيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة لمطاحن الوادي، وحجم الأضرار التي خلّفها العدوان الإسرائيلي، مؤكّدًا أن استهداف هذه المعالم يندرج ضمن سياسة تهدف إلى اقتلاع الأهالي من جذورهم وقطع صلتهم بأرضهم. كما يحدّد المسؤوليّات المترتّبة على الدولة اللبنانيّة لحماية الإرث التراثي وملاحقة الاحتلال قانونيًّا ودوليًّا.

مطاحن وادي الحجير.. تاريخ الأرض والإنسان

شكّلت مطاحن وادي الحجير على مدى أجيال جزءًا أساسيًّا من الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة لأهالي جبل عامل، وشاهدًا على تاريخ ارتباط الإنسان بالأرض والماء.

فقبل ظهور الكهرباء والمطاحن الحديثة، اعتمد الأهالي على هذه المطاحن التي تعمل بقوّة تدفّق المياه لطحن محاصيل القمح والذرة وإنتاج الطحين والبرغل. وكان المزارعون يقصدونها من قرى ومناطق بعيدة، ما جعلها ركيزة للاقتصاد الزراعي والأمن الغذائي في المنطقة.

ولم يقتصر دورها على الإنتاج، بل شكّلت ملتقى اجتماعيًّا لأبناء القرى، يتبادلون فيه الأخبار والخبرات وينظّمون أدوارهم، حتى أصبحت جزءًا من الذاكرة الشعبيّة.

وتجسّد هذه المطاحن أيضًا الخبرة الهندسيّة والتقنيّة التي امتلكها الأجداد، وقدرتهم على توظيف تدفّق المياه في تدوير حجارة الطحن، بالاعتماد على معارف متوارثة عبر الأجيال. وبذلك، تمثّل إرثًا تاريخيًّا يعزّز ارتباط الأهالي ببيئتهم وأرضهم.

العدوان الإسرائيلي.. تدمير للمعالم ومحاولة لاقتلاع الذاكرة

يصف نور الدين الأضرار التي خلّفها القصف الإسرائيلي بأنّها شديدة الفداحة، معتبرًا أن ما تتعرّض له المنطقة يتجاوز القصف التقليدي إلى تدمير ممنهج يطاول المباني الحجريّة والمعالم الأثريّة والتراثيّة والسياحيّة، إلى جانب المنازل والبنى التحتيّة.

ويرى أن استهداف هذه المواقع لا يرتبط بهواجس أمنيّة، بل يهدف إلى استئصال المكان بما يحمله من رمزيّة تاريخيّة، وقطع الصلة بين الأهالي وأرضهم، ومنع عودتهم إليها، وتحويل المنطقة إلى جغرافيا غير قابلة للحياة.

ويلفت إلى أن هذا التدمير يجري في ظلّ وقف إطلاق النار، ومن دون وجود مواجهات قتاليّة في الموقع، فيما تتعرّض المنطقة لقصف إسرائيلي يومي متواصل.

مسؤوليّة الدولة اللبنانيّة.. الحماية والترميم والملاحقة

يحمّل نور الدين الدولة اللبنانيّة مسؤوليّة حماية الأهالي والأرض والتراث الثقافي، والعمل على ردع العدوان الإسرائيلي وبناء مقوّمات مناعة وطنيّة تحول دون استمرار الاعتداءات.

ويحدّد ثلاثة مسارات أساسيّة للتحرّك:

أولًا: إعادة البناء والترميم الأثري

إعطاء الأولويّة لإعادة تأهيل المعالم المتضرّرة، عبر جمع الأحجار المتبقّية حجرًا بحجر، وإعادة بناء المطاحن وفق طابعها وأساليبها الأثريّة الأصليّة، مع الحفاظ على ما تبقّى من عناصرها التاريخيّة.

ثانيًا: الملاحقة القانونيّة والدوليّة

تحريك الدعاوى القانونيّة وتوظيف الخبرات والعلاقات الدوليّة، والاستناد إلى القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي البيئي لملاحقة الاحتلال الإسرائيلي ومحاسبته على الاعتداءات، والمطالبة بتعويضات ماليّة تُخصّص لترميم المواقع المتضرّرة.

ثالثًا: تحمّل المسؤوليّة الوطنيّة

اتخاذ إجراءات رسميّة تتجاوز الإدانة، وتؤسّس لحماية فعليّة للمواطنين والأرض والمواقع التراثيّة، بما يضمن الحفاظ على الإرث الثقافي والتاريخي للمنطقة.

حماية التراث.. حماية للهويّة والذاكرة

لا يقتصر استهداف مطحنة وادي الحجير على تدمير مبنى أثري، بل يطاول معلمًا ارتبط بتاريخ الأهالي وحياتهم الاقتصاديّة والاجتماعيّة على مدى أجيال.

ومن هنا، تبرز مسؤوليّة الدولة اللبنانيّة في توثيق الأضرار التي خلّفها العدوان الإسرائيلي، وترميم ما يمكن ترميمه، وملاحقة الاحتلال دوليًّا، حفاظًا على التراث والذاكرة التاريخيّة لأهالي الجنوب، في مواجهة محاولات اقتلاعهم من أرضهم ومحو معالم هويّتهم.