سبعة عشر ألف قلبٍ محبٍّ اجتمعوا في الضاحية!
من قراهم المحتلّة وبيوتهم المهدّمة، ووفاءً لرفاقهم الذين فارقوا الحياة خلال الحرب، اجتمع سبعة عشر ألفًا من الكشفيّين والكشفيّات، حاملين معهم أسمى معاني الإنسانيّة، في مشهدٍ تختلط فيه الذاكرة بالفقد، والإصرار بالأمل.
هنا طفلٌ فقد عائلته، وهناك آخر فقد أباه، وهنالك فتاةٌ فقدت صديقتها، ومعهم الآلاف الذين عاشوا تجربة حربٍ قاسية، فقدوا فيها آباءهم وملهميهم وحاضنيهم، ودُمّرت بيوتهم ومدارسهم، وارتحل العديد من أساتذتهم ومعلّماتهم.
جاؤوا مستخدمين مهاراتهم الفنّيّة والموسيقيّة والكشفيّة الإبداعيّة، ليوصلوا رسالتهم إلى كلّ من يشاهدهم: _"أنّنا من الموت قمنا، وعن جناحينا نفضنا الدمار..."_ وبأعلام وطنهم اللبنانيّة لوّحوا، فيما كانت فرقتهم الموسيقيّة تنشد: _"ما هزمونا ولن يهزمونا..."_.
مجتمعٌ كشفيّ يضمّ البراعم (4-7 سنوات)، والأشبال والزهرات (8-11 سنة)، والكشّافة والمرشدات (11-14 سنة)، والجوّالة والدليلات (14-17 سنة)، والقادة والقائدات (18 سنة وما فوق).
أمس الأحد 4 تشرين الأوّل 2026، تجمّعوا في باحة عاشوراء، في مشهدٍ مهيبٍ يعكس انتظام وروحيّة جمعيّة كشّافة الإمام المهديّ (عج) في لبنان.
فبعد حربين في سنتين، ينهض هؤلاء الكشفيّون من تحت رماد الوجع والفقد، ليمشوا مرصوصين على إيقاع التحدّي وإرادة الصمود.
ولا يمكن اختزال قصّتهم بعيدًا عن سياقها؛ فهم ليسوا في بلدٍ آمن، ولا يعيشون ظروفًا اجتماعيّةً واقتصاديّةً طبيعيّةً كباقي الجمعيّات الكشفيّة حول العالم. هم أطفالٌ وشبابٌ اعتادوا أن يجتمعوا في احتفالاتٍ فرحةٍ ومناسباتٍ متنوّعة، وأن يعودوا إلى أسرهم وبيوتهم وقراهم ومناطقهم الآمنة.
أجيالٌ كثيرةٌ منهم، بل أغلبهم، تنعّمت بتجارب كشفيّةٍ ملهمةٍ بين أحضان الطبيعة في الجنوب والبقاع، في مخيّماتٍ على ضفاف الأنهار ومدنٍ كشفيّةٍ قلّ نظيرها في لبنان والمنطقة.
أمس، في بيروت، ازدانوا بألوان ملابسهم وفولاراتهم الكشفيّة، في مشهدٍ بدا فيه وكأنّ لا مكان للوجع والموت في قاموسهم. مشوا في استعراضاتٍ مهيبة، وعزفوا الألحان الشجيّة في احتفالٍ وتجمّعٍ كشفيّ يعكس وحدة قلوبهم وعمق شغفهم.
ورغم طبول الحرب التي تُقرع يوميًّا في بلداتهم جنوب لبنان، قرعت طبولهم، معلنةً أنّ في ضاحية بيروت أناسًا أحياء ومجتمعًا ينبض بالصمود والكرامة.
وجّهوا تحاياهم إلى أطفال فلسطين وميناب، وحملوا صور أطفالٍ أعزّاء من لبنان أفقدتهم آلة القتل الإسرائيليّة الحياة.
ورغم غياب سيّد المناسبة، الأب الملهم والحاني عليهم طوال سنوات، جدّدوا العهد بالتمسّك بقيمه الإنسانيّة، في ظلّ استمرار المعاناة.
واختتموا تجمّعهم الكشفيّ بإعلان انتمائهم لمدرسة الأمل التي تنتظر قدوم المخلّص. إمامٌ يحبّونه ويعرفون مثل غيرهم من المظلومين في العالم أهميّة قيامه.
في عنفوانهم وتنظيمهم رسالةٌ واضحة: أنّ في لبنان أملًا ببناء وطنٍ سيّد، حرّ، ومنظّم، بكلّ فخرٍ وإباء.
بقلم: فاطمة نور الدين
(إعلامية ومرشدة تربوية)