آمال خليل: نسّاجة الضّوء لغيمةٍ بعيدة
"الأمل ليس الاعتقاد بأنّ شيئًا ما سيأخذ نهايةً سعيدة، بل الاعتقاد أنّ هذا الشّيء سيأخذ نهايةً ذات معنى وذات فائدة."
(المفكّر والسّياسي التّشيكي فاتسلاف هافيل)
على نحو غير عادي، ستكتمل تجربة رفيعة لصحافيّة شغوفة عارضت الخضوع وتحدّت تسلّط الاستعمار. أبصرت عيناها دقائق أمور لم يكن ليعرفها الآن أحد، وسمحت بإعطاء بناء وإيقاع للتّفاصيل الجزئيّة والوقائع المطلقة. بإنسانيّة ثائرة، تظهر شامخةً في جنوبيّ لبنان، وتسجّل مداخلتها المشرقة، مساهمةً في إبراز فرق دلاليّ يجنّب الخلط بين الامتثال والشّجاعة. انهمكت بتقديم إيضاحات تمنع ليّ عنق الحقائق، وتبعثر هيبة "قوّة لا تُقهَر"، وأصبحت كلماتها خاطرًا أوّلَ يُعكِّرُ صباحات العدوّ.
واجهت هيمنة الجشع بالحدقة الرّاصدة، فاعترضتها قوّة ناريّة هائلة أعدّها العدوّ بخبث ليوم مزمّن بهدنة الكمائن. في النّظرة الأخيرة إلى وجهها المحبّب، نتجرّع غصص الأوجاع، أنت وأنا وأرض عرفتها وعرّفت عنها بمنتهى النّقاوة وتفانٍ غريب. يعلو ملامحها الاعتزاز، ويتدفّق حضورها الملائكيّ مع انضباط يحتفظ بقليل من دهشة الأطفال، حتّى يجدّ عليها الرّحيل فتصير وخزًا لا يهدأ. في مديات كونيّة، سيسري نورها الأزليّ، وفي أبعد عمق داخل القلب ستستقرّ حقيقةً متوهّجةً لا يمكن أن يبتلعها النّسيان.
تاريخ يُكتب
كان الحنين يتساقط من روحها الرّانية إذا ابتعدت راغمةً عن قرى الشّريط الحدوديّ. في جنوب الجنوب، لاحقت حياةً تبزغ في ظلال الموت. حملت في قلبها الرّهيف لمحةً وافرة من الأمل تغلّف قلقًا كبيرًا، لأنّ انتماءً عميقًا يجعلها تفهم ما يقع وما سيقع في الوطن. لم تحبّذ التّغطية النمطيّة في سجن المهنة، لأنّ الحياد السّلبي قاتل. ومن أجل امتلاك ناصية التّاريخ وصناعة الرّواية الشّفهيّة، دأبت على حماية اللّحظة الرّاهنة من التّضليل.
لم تختر الصّحافة لذات الصّحافة، إنّما لخوفها الفطري من سحق البشريّة بالدّيكتاتوريّة العسكريّة. ومنسجمةً مع حقائق مثبتة حول اعتداءات صهيونيّة سابقة لانتظام العمل العسكري للمقاومة والتّأسيس الوظيفي للاحتلال، يُدار في تفكيرها العميق سؤال كبير جدًّا: كيف لمعلومة أن تتفكّك وتتلاشى وهي واحدة ومجرّدة؟ أجادت تحديد نفسها في نظام وقيم الحياة بحرصها على حماية الحدث التّاريخي من تغييرات جذريّة في محتواه. ومحاكاةُ مرارةِ المعاناة الإنسانيّة في كلّ بيت، لها أسس جوهريّة في كلّ قصّة ترويها.
كرّست قضيّة نشأ عليها الجنوبيّون: خسارة البيت تعني خسارة الحياة. تلك حقيقة تتّسم بالحسم، إذ لا يوجد نصف حقيقة، ومتى اتّسمت معلومة بالحقيقة صار يتعيّن القيام بثورة لحمايتها من المحو. تولّت إزالة التّدليس في التّاريخ وخلق وعي جديد يواكب الوضع المحفوف بمخاطر تحوير الوقائع وتزييفها. وفي مواجهة مآسي الوطن المتكرّرة، شعرت أنّ دائرة مسؤوليّاتها اتّسعت، لأنّ المقاومة، وإن اختلفت أساليب صياغتها، توحّدت غايتها المنشودة: تحرير الأرض والإنسان.
كسرت العدوّ بكلمة صادقة لا تستأذن، وحطّمت أصنامًا يمجّدها ضعفاء النّفوس. هي ناقدة لاذعة لديبلوماسيّة السّكوت، وضدّ بكائيّات لوّامة تطعن الجنوبيّين والأحرار. اختارت فعلًا منتجًا على رضوخٍ مدمّر عند المُرجِفين وعُميان البصيرة. شرعت في التّأريخ للتّاريخ، ووحّدت مستويات الهويّة والمهنة بالاحتجاج والتّحدّي والقدرة على تكوين موقف خاصّ تجاه الأحداث. في مضمار عمل تتلاطمه أمواج المطامع والمطامح، طرحت قوّة خارقة وتأثيرًا أكثر شمولًا وأطولَ أمدًا. وظيفتها الحقيقيّة أن تقارع من يحتلّ، وهي بهذا اللّحاظ تحوّل الرّفض إلى مضمون عالٍ ذي رسالة.
فرضت آمال خليل كلمةً متحدّيةً تدين الاحتلال وتشهّر بالهمجيّة. وبتلك الممارسة الثّوريّة، حدّدت خطواتُها النّضاليّةُ الرّاسية طريقًا وحيدًا ومعقولًا ومبرّرًا للدّفاع عن الإنسانيّة بمحتوياتها الشّاملة. تجاوزت خطّ الأكاذيب التّبسيطيّة المريحة، وتسلّحت بحقيقة أخطر من أفتك الأسلحة. وبدافع الواجب عملت، وليس وفقًا للواجب، حين واظبت على تأويل الوقائع وتغويرها. أنتجت مادّة غنيّة المضامين تحقّق اختراقًا ضروريًّا ومباشرًا وفوريًّا في "الوعي الأخلاقي". بهدوء ورزانة، اختزلت جبهة إعلاميّة متمكّنة في مجابهة "أسطرة القوّة"، وشكّلت جدار صدٍّ في مواجهة الغطرسة والعجرفة.
إنسانيّة مكتملة
مقابل قوّة متفوّقة بالمقاييس العسكريّة، ومتمكّنة من أدوات "الاحتيال الإعلامي"، أبدت قابليّة لا متناهية للانصهار في بنية مقاوِمة تغذّي الشعور بالفاعليّة والمعنى. تقدّم "الرّوح الخلّاقة" جانبًا حاسمًا في رؤيتها النّاشئة على الصّدام مع أعداء الإنسانيّة وبرّ ذوي العزائم التي لا ترضى الإهانة. محوريّة الإنسان في "عالميّة المقاومة" دفعت بها إلى مواجهة منظومة الاستعلاء وإنكار الآخر في "عولمة الاحتلال". أضحت جزءًا لا يتجزّأ من "الأطروحة في صراع الأضداد"، وتلك هي القيمة الإنسانيّة للموقف الفلسفيّ من الحياة.
عبر الزّمن، بنت الإمبرياليّة الصّهيونيّة تاريخها باستباحة الإنسانيّة وتخريبها. أصرّت آمال خليل على ممارسة التّغيير الحاسم لإعادة بناء الإنسان واستعادة مكانة الإنسانيّة بعد أن سحقتها وحطّمتها الغطرسة الإسرائيليّة. في أعمال التحدّي الصّغيرة التي تخوضها كلّ يوم، تزيح ثقافة الغطرسة الوافدة من الحضارة الشّرسة. واستكشفت في قضيّة الأخلاق والالتزام الفعلي إطارًا غنيًّا لحبّ الوطن، وربطته بمعرفة إبداعيّة ويقظة تأمّليّة في الفكر الإنساني؛ هي المقاومة في أوضح صورها. بالعنف الصّريح سيحاول العدوّ خنق صوتها، ولن يختنق، لأنّ آمال خليل جبلٌ من الصّرخات.
تأسّست "فلسفة الرّفض" ضمن مسار تاريخيّ طويل لتخفّف جراح الجنوبيّين. في كلّ إنسان محرّك فطريّ يدعوه إلى بلورة الدّافع الذّاتي ضدّ الكسل والجبن، وهذا امتياز الذّاتيّة المقاوِمة باعتبارها عنصرًا بنيويًّا للوعي الجماعي. وتنطوي خيارات المقاومة، إذًا، على الحريّة الجماعيّة والمسؤوليّة الفرديّة؛ ونقطة الاتّصال أنّهما مرتبطان بالمستقبل وحفظ حقّ الأمّة في الوجود. والأسباب السّياقيّة لمقاومة الطّغيان لا تكفي لولا إرادة لا تنتظر فحص الاتّجاهات واختبار المتغيّرات. تكتسب هذه الإرادة حرّيّتها من العمل الإيجابي، وتحطّم حالة التّمنّي والحلم.
مع رقيب داخليّ يسمّى الضمير، لم تسأل الباحثة عن الحقيقة عن حدود التّضامن، لأنّ "العدوّ هو صورة سؤالنا". ترتبط فكرة الإنسانيّة بالثّقة في القدرات، وهي مع التّصميم تكوّن "الأمل"، ومنه حافزيّة السّعي والطّاقات المتفجّرة. تلك نقائض شعارات خدّاعة لا تؤتمن، تعزّي النّفس عند المولعين بالاستعمار والمتخاذلين من دعاة الكسل وعديمي القدرة. وإذا كان الخوف "شعورًا بديهيًّا لحرّيّة الإنسان"، فإنّ الحرّيّة تعني التّصرّف وأخذ القرار، وهنا موطن القوّة وموطن الخطر. تستقبل الإنسانيّة منعطفًا مقلقًا، وآمال خليل، متحرّرةً من الأنانيّة، لن تُعفي نفسها من تحرير "خوفنا من الخوف".
في مواقف مواجهة مع طرف شديد الافتراس، تدرّعت بالثّراء الأخلاقي والقوّة الدّاخليّة. تنبع هذه المركّبات من "الطّبيعة الحسّيّة"، وهي توسّل صادق لقوّة تؤمن أنّها تستجيب. وبينما أدّت "العقلانيّة الأداتيّة" إلى تنميط الإنسانيّة وتحنيطها في تعقيدات ومتاهات الحياة، ما زالت "الحياة الأخلاقيّة" تفترض فعلًا طبيعيًّا، وهذا مطلب الحرّيّة. في كلّ إيماءة لطيفة تبنّتها تجاه الآخر والقضيّة، كانت تعتلي المكانة الرّوحيّة وتسمو كأنّها كتلة من الخُلُق. رفضت المنفعة الوهميّة في "مقياس العقل" الجامد، وفضّلت أبلغ الإخلاص في "مقياس الضّمير" دون تردّد أو هواجس.
بالدّراية واليقين، ساهمت في صنع شخصيّة "الإنسان الرّوحي" وإعادة بناء القيم المهدّدة بالهدم. خالفت "الإنسان المادّي" المصلحي الآلي، صنيعةَ النّظام العالمي، فعظمة الإنسان في نزعته الإنسانيّة، وقيمة الحياة في المبدأ الأخلاقي. ذاك الإنسان المتلبّس بالفضائل دعت إليه النّبوّات والرّسالات، وكذا فعلت آمال خليل باختيار "خُلُق التّنوير" ضدّ "خُلُق المستعمرين". يرافقها الفرح لأنّها اختبرت عظمة العناية بالحياة الإنسانيّة؛ تلك الشّجاعة تخلّقت في أرض الوطن اللّامحدودة، وتألّقت في سمائه العطوفة.
**
بينما ينكفئ العالم عن محاسبة أباطرة العنف، لاحقتهم آمال خليل تمنع احتكار الحقيقة واحتقار الآخر. قبيل إنجاز مهمّتها في الطّيري، ينسدل الغياب، لكنّ آمال خليل لا تتنحّى جانبًا؛ هي الذّكرى والعاطفة والفكرة وأخرويّات ثوريّة لا تذهب إلى النّسيان. وضّاحةً ستنسكب مع كلّ ضوء من أضواء الفجر، وستطلّ مع غلّة الحقول في مواسم الخير. حملت في صوتها أنّات المعذّبين، وما زال هذا الصّوت يتبرعم ويتطوّر، لأنّ آمال خليل تمرّدت حتّى على التّراب.