"آدم كريكور هكميان" الذي سكنه المسيح والحسين

"كنت ميتاً فأصبحت حيًّا"

بقلم: هبة ناصر
صحافية

آدم کریکور هگمیان: طنينُ الدَّمِ الخَافِق

لأنني عندما لا أجرؤ على مواجهة النّيران وهي في ذروة اندلاعها وانتشارها، لا أريد أن أكون بطلاً على الرماد. (محمد الماغوط)

اليد تتحرك بين أنقاض المنزل المهدّم ترسل إشارة الحياة. يشتعل الليل بالأضواء والسيارات وتختلط أصوات المنقذين وبمرور ساعتين يسحبون الجسد الجريح إلى سيارة الإسعاف. يسكت النبض وتنطلق في الأفق السيرة المضيئة لشاب غير اعتيادي، آدم كريكور هکمیان خرق السّائد وأسّس لبناء نهج فريد لا يمكن تجاوزه.

كنت ميتاً فأصبحت حياً

الفضاء المفتوح تغمره زخات الرصاص والانفجارات الغزيرة، آدم يقتحم اللحظة جريئاً غير هياب. يتحرك بخفة في أرض المتاريس والأشباح ساهماً في إسعاف الأجساد المنسوجة بالجراح تتصاعد النيران، والمسعف الحربي يواجه الصعوبة القاتلة مفعماً بالعنفوان بين الدم المطروح على الأرض والمخاطر الهائلة استكشف طريقته المثلى في إنجاح المقاومة.

ينهض لإغاثة المصابين في معترك القتال. ممتلئا بالإنسانية الفائقة يؤازر المدافعين عند الحدود. تقدَّم يكمل مهمة التصدي للعدو الإسرائيلي عند غايتها القصوى حياة سليمة في مداواة آلام النّجاة متطوّعاً في الإسعاف الحربي يشق طريقه بتصميم لافت نحو المعارك، هو القادم إليها باكتساح ينظر إلى بقايا الحياة على الأرض، ويذود عن المجاهدين الجرحى جسراً ممدوداً إلى أقرب نقطة طبية ميدانية.

بالانضمام إلى التشكيل الحربي للحركة الإسعافية أظهر مجموعةً من الامتيازات لطالما بانت عنده نزعة لخوض الحياة بشجاعة. خلال تدريبات الاستعداد للعمل في ظروف الحرب تعبرُ وجهَهُ ومضة من الكبرياء المتحدّية. أثناء التحضير للميدان يغدو الأمل وضاحاً في قلبه الوديع، رغبته الأعمق ألا يكون المُقعِدَ المُتخلّي في صميم معركة الأمة. إيمانه الراسخ أن المقاومة عمل متكامل والتضحية بالنفس لزوم النضال الجاد والمسؤول.

كم مرة يعود من حقول الموت إلى أيامه الصاخبة في شارع بعجور ببرج البراجنة. بصمتٍ يطوي بطولاته الملحمية في أرض المعركة بين جثامين الشهداء والأجساد النازفة. اختار كفاحه الإنساني طريقة أبهى للتعبير عن فعله المقاوم ضد الهيمنة والجشع. في العودة إلى الديار يبدو أكثر تحفظاً لأنّ المقاومة ليست أمراً استعراضياً. يمر بصور الشهداء في الحي ويمكث أمامها حيناً من الوقت، هل كان يتهيأ للقاء؟ قبل أن ينتصف أبريل، ينضم مع أصدقائه الشجعان والأكفاء إلى جوار من اختار ووالى واصطفى.

من يقاوم؟ ولماذا يقاوم ؟

قوة الروح عند آدم ويقظة الضمير ليست مبتورة السياق من تاريخ مُسجّل في اسمه الثلاثي. تنبعث إنسانيته المقاومة من ركام الإمبراطورية العثمانية وحطام الاستبداد والاستعمار القتل الإبادي للأرمن يوفّر الوضوح بمنشأ التزامه القيمي في صون كرامة الإنسان وتحصين هوية الوطن. يحتفظ آدم بحكايات مجروحة بالقهر والتهجير من أزمنة منقضية، وجوه لا تحصى تختفي في وجه آدم.

ذكرى الألم لا تتبدّد وتنمّي إرادة المقاومة الذاتية، إرادة الحر في الصمود يهيئ التوحش بداية شيء نحتاج لفهمه بالكامل: فلسفة المقاومة. على مسرح التاريخ تتضافر الأدلة الناصعة عن العمل النخبوي بلا تردّد ضد تسلط وتوسع إرادة الطغيان. الشعوب المكويّة بنار الحضارة الغازية والإمبراطورية القائمة على العنف تثبت قوة مدهشة في التحرر.

في الحالة اللبنانية، تُحاكي القيامة للتخلص من دورة المعاناة محوراً مركزياً في مواجهة الاحتلال الصهيوني. تنبثق هوية المقاومة وذاتيتها من غطرسة إسرائيلية تهدد جوهر وماهية الوجود الإنساني عبر السيطرة بالجغرافيا والهيمنة بالقوة. رفض ديناميكيات الخضوع يتأسس على "تأثير الفرد في العملية التاريخية". آدم وقع في قلبه الإيمان بفعل الثورة واجتهد بحماسة شديدة للانغماس الحقيقي في "قوة "العمل" داخل الفضاء المقاوم.

ينطلق إلى العمل التطوعي قبل خمس سنوات يوزّع اهتمامه بين التثقيف العقائدي والتدريب العسكري والإغاثة الميدانية لأن المقاومة مجموعة ممارسات تتطوّر عبر سياقات متنوّعة. عند المفترق الحاسم من تاريخ المنطقة لن ينتظر المستقبل متفرجاً، سيأخذ بالشروع في صنعه مستكملاً أسبابه وشروطه الذاتية. يذوب في الوجود المقاوم ويحيا معه، يحفزه العمل بالجوارح والتصديق بالقلب مصمماً في توفير الصلابة النفسية لبناء ذاته الفاعلة والمؤثرة.

يمتلك "روح المقاومة" وهي جزء أصيل من حياة الثائر. "الأناة" تطرح نفسها في الفعل المقاوم، وإرادة الاقتدار دافع أساس للتحرّر وكسر القيود. تثمين "المقاومة الذاتية" يحركه مبدأ الحقوق الكوني" ويُنتج تثبيت قوة النضال. يولد مفهوم المقاومة عند آدم من عمقه الروحي ويسلك سبيله نحو التمرد النشط لرفع الظلم والتحديات الوجودية. جدلية القوة والوعي هذه تفتح باب نقاش هادئ وفلسفي حول تشكل صفات وملامح الإنسان المقاوم من "الذات المريدة".

التلقائية الإنسانية

في الجانب الفلسفي، تظهر مقاومة الاستعمار سلوكاً تلقائياً لتغيير الواقع وتجديد الذات وتجسّد فعلاً إرادياً لرد العدوان والطغيان. تستهدف المقاومة إحياء جذرياً لعملية الإصلاح المجتمعي منطلقة من الشعور بكرامة الإنسان، وعاقبة أعمالها الخير والمنعة للناس. الترابط منظور إذا بين النزعة الإنسانية الطبيعية وبناء أساليب تُقاوم التحدّيات المتصاعدة من القوى المهيمنة بغية تحقيق العدالة والحرية.

يُجدد آدم كريكور هکمیان هذه الحقيقة ويُخرج وعيه المكتمل من جمود الفكرة إلى إشعاع الحركة. استشهاده يعبر عن الاقتدار على الرفض لأن ثقافة المقاومة تقتضي التوحيد بين القول والفعل". يشجع آدم الوعي بالدفاع عن حق الأمة في الوجود متلازماً مع الإنسانية المسلحة. في عصر الحضارة الاستهلاكية وفرض التبعية اللاواعية وخلع الفرد الواعي يتردد صوت دماء آدم كريكور هكميان صداحاً.

ذلك أن آدم تجمع عنده ما تفرق في غيره. يحبّ السيد المسيح ويتأثر به في تحدّي الظلم وإرباك الظالم. يصل الرسالة الحقيقية للمسيح كما بنى يسوع تعليمه عن طريق الفهم الداخلي. في داخله يسكن وعي المسيح ودعوته لتفعيل القوة والإقدام لإنهاء المعاناة، ومنه يتعلم المحبّة غير المشروطة والخدمة غير المحدودة. يجتذبه البعد الإنساني في رحاب النهضة الحسينية ويُثري عنده معاني التضحية والألم في سبيل الإصلاح وإقامة العدل. يعمل بشعار الحسين بن علي في كربلاء "كونوا أحراراً في ديناكم" لتخليص الأمة من الطغيان وإسقاط مشروعية نظام الاستبداد بوعي مستنير يمضي من "المعلم المسيح" حتى "المهدي المنتظر".

في سياقه الخاص، يوجد آدم توازناً دقيقاً في البناء الروحي والفكري ويقرّر مصيره الشجاع. ينخرط في المقاومة المشروعة الهادفة لطرد الاحتلال ومناهضة الغطرسة الصهيونية بكل ما أعدّت من قوّة. رفض الأفعال الجائرة يختاره واجباً أخلاقياً وينحاز ضد الميالين للصلح مع ديموغرافيا التهجير والإبادة في بقعة تقتيل دائمة. يُبرز ذاتيته المقاومة لأن الطاعة تعني التواطؤ، فعل نزيه لا شيء فيه للذات.

الالتزام العقائدي عند آدم يمنحه منهجية في التفكير ويعطيه تصوّرا للكون والوجود والأيديولوجيا مجموعة عقائد ومفاهيم بها يفكر ومن خلالها ينظر إلى العالم. تساعده العقيدة بأن يرى الأشياء طبقاً لدعواه هو ، لا طبقاً لذاتها هي" مع ترابطية صارخة بين الأدلجة والحق وترك الأدلجة كقناع يُخفي المصلحة في رفع شعار القضية. ولأنّ "الحق هو ما يطابق ذات الكون والمؤدلج هو ما يطابق ذات الإنسان في الكون" استدعى الأيديولوجيا ليستبعد الطغيان وسلك بالأيديولوجيا طريقه نحو الإنسانية العنيدة.

كلما نظرت إليه يفرح قلبك، وتتذكر ما قاله محمد الماغوط احتجاجاً على عروبة تمزقها الهويات "سأنجب طفلاً أسميه آدم.. أريده آدم مسلم مسيحي، أريده ألا يعرف من الدين إلا أنه لله، وأريده أن يعرف أنّ الوطن للجميع". عند آدم الماغوط و آدم هكميان إنسان رفيع أداؤه في مداواة الفطرة السويّة. يستقر آدم كريكور هكميان في القلوب، وإلى أن تأتي ذكرى مولده كل خريف سيبقى دائماً فتيّاً باسماً وفي وجهه البشر، ومن أمل زرع في صدره كالنور يقدّم نقاء أخلاقياً ويقظة في الروح.

منشورات ذات صلة