تنازل الدولة عن السيادة في مواجهة العدوان يدفع نحو أزمة نهائية للنظام اللبناني
كتبت أمل سعد - باحثة في العلوم السياسية ومتخصصة في شؤون حزب الله وسياسات محور المقاومة، على حسابها على منصة "اكس":
الحرب الدائرة الآن في مواجهة إيران وحزب الله أدخلت المنطقة مرحلة جديدة تهدد بتفكيك النظام السياسي القائم في لبنان منذ عقود. وحتى إذا جرى تجاوز البعد الأخلاقي للقضية، فإن سلوك السلطات الحاكمة، من الناحية القانونية والتحليلية، أعاد عمليًا تعريف الدولة اللبنانية بوصفها دولة تعلن رسميًا أن "إسرائيل" عدو لها، لكنها تتصرف عمليًا كطرف مشارك في الحرب إلى جانب الولايات المتحدة و"إسرائيل"، وكـ”طابور خامس” داخل أراضيها ضد شعبها وأرضها. أي أننا أمام دولة تشارك فعليًا في حرب ضد نفسها.
بالنسبة إلى حزب الله، تمثل هذه المواجهة معركة مصيرية. والخطوط الفاصلة التي ترسمها اليوم لا تقوم بين معسكرات سياسية تقليدية، بل بين قوى تدافع عمليًا وتنتج السيادة على الأرض، وسلطات حاكمة تعمل على تقويض هذه السيادة وإلغائها في نهاية المطاف. فالمشكلة لم تعد مجرد دولة فشلت في ممارسة السيادة بسبب التقصير، بل دولة تسعى إلى هدم سيادتها بالفعل؛ أي معسكر مناهض للسيادة يعمل بصورة متعمدة على تفكيكها استجابة مباشرة للإملاءات الاستراتيجية الأمريكية.
وتظهر مؤشرات ذلك بالفعل في سلوك مؤسسات الدولة اللبنانية. فمن رفض الرئيس ـ بحسب تقارير ـ إعطاء الإذن للجيش حتى بطلب السماح بالدفاع عن الأراضي اللبنانية، بينما تواصل إسرائيل قصفها وعمليات التطهير العرقي، وتشن توغلات برية متكررة في محاولة حتى الآن غير ناجحة لإطلاق غزو أوسع؛ إلى قيام الجيش باعتقال أشخاص بتهمة حيازة أسلحة وذخائر في إطار حملة متصاعدة ضد المقاومة. وفي الوقت نفسه، اقترحت وزارة الخارجية السماح للطائرات العسكرية البريطانية المشاركة في العمليات الإقليمية بالعبور عبر المجال الجوي اللبناني. في ظل هذه الظروف، لم تعد الدولة اللبنانية مجرد دولة عاجزة عن الدفاع عن أراضيها، بل أصبحت متورطة ماديًا في مجريات هذه الحرب ونتائجها، بما في ذلك عمليات التطهير العرقي الجارية على الأراضي اللبنانية.
وما يجعل هذا الوضع مميزًا من الناحية التحليلية أنه يتجاوز مفهوم التعاون التقليدي مع العدو. فالتعاون عادة يشير إلى التنسيق مع قوة احتلال بعد السيطرة على الأرض. أما ما نشهده هنا فهو دولة لم تُهزم ولم تُحتل وما تزال مؤسساتها تعمل، لكنها اختارت الاصطفاف الاستراتيجي مع طرف خارجي معتدٍ، واضعة نفسها في موقع الطرف المشارك في حرب تُشن ضد أرضها وشعبها، فيما تستخدم مؤسساتها داخليًا لتقييد المقاومة المستهدفة من قبل هذا المعتدي نفسه. وبهذا المعنى، تعمل الدولة كـ”طابور خامس” ضد قدرة مجتمعها على الدفاع عن نفسه، بحيث يُدفع الجيش إلى موقع يضاعف عمليًا قوة المعتدي من داخل البلاد.
ما يكشفه ذلك هو وجود طبقة حاكمة استخدمت الشكل الخارجي للسيادة كسلاح، مستندة إلى فكرة شكلية عن الدولة لمنع استعادة أي قدرة سيادية حقيقية. فمفهومها للسيادة لم يتجاوز يومًا حدود منع المقاومة من الدفاع عن لبنان أو تحريره، وهو ما يحوّل السيادة إلى مجرد شعار لا إلى عقيدة سياسية. والإصرار المستمر على أن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى بيد الدولة لا يعمل، ضمن هذا الإطار، كتعبير عن السيادة، بل كآلية لضمان ألا يمتلك لبنان دفاعًا في الحاضر ولا مستقبلًا سياديًا في الغد.
وتشير مواقف قيادة حزب الله إلى إدراك أن المواجهة تجاوزت بالفعل حدود النظام السياسي القائم. فقد قال الشيخ نعيم قاسم هذا الأسبوع: “لا يوجد توازن قوى بيننا وبين "إسرائيل"، لكننا سنقاتل من أجل التاريخ.” ويشير هذا التصريح إلى أن الصراع لا يُفهم من منظور التكافؤ العسكري المباشر، بل من زاوية الحفاظ على مستقبل سيادي.
وكان لافتًا أيضًا أسلوب حديثه؛ إذ لم يبذل جهدًا حقيقيًا لتبرير قرار حزب الله دخول الحرب، وهي حرب ـ بحسب الرواية الإسرائيلية نفسها ـ كانت ستقع على أي حال ولكن وفق شروط إسرائيل. كما لم ينخرط في نقاش حول شرعية السلطات الحالية، باعتبار أن حكومة تجاوزت هذا الحد من الانحياز لم يعد لها مستقبل سياسي يستحق المعالجة بعد أن تتحول نتائج الحرب إلى واقع سياسي على الأرض. أما عرضه للقوى المعارضة للمقاومة بأن ما زالت هناك “فرصة لفتح صفحة جديدة معًا” شرط “ألا يطعنوا المقاومة في الظهر أثناء المواجهة”، فيكشف أن لغة “الفرصة” تفترض مسبقًا أن المعادلة السياسية ستتغير بعد انتهاء الحرب.
وقد تعزز هذا الموقف برسالة مفتوحة غير مسبوقة صدرت اليوم عن القيادة العسكرية لحزب الله إلى مجاهديه، جاء فيها: “لن نتخلى عن المقاومة، ولن نضع السلاح، ولن نغادر الميدان.” وتدل هذه الرسالة على أن الحركة لا ترى نفسها مقيدة بدولة سعت إلى تجريمها، ولا بالمبادرات الخارجية التي تهدف إلى فرض استسلامها.
ما يجري اليوم يشير بالتالي إلى أزمة نهائية للنظام السياسي الذي يحكم دولة لم تكن يومًا أكثر من مجموع مكوناتها الطائفية والسياسية. ومع إعادة تشكيل هذه المكونات في أعقاب الحرب، من المرجح أن يفسح الترتيب الحالي المجال أمام عقد اجتماعي وسياسي جديد يعيد تعريف ماهية الدولة اللبنانية وحدودها الفعلية.