بين حكومة نواف سلام وحكومة فيشي..

نزع ذرائع العدوان أم شراكة مع العدوان

بتصرف - من حساب الباحث اللبناني فادي يونس على "فيسبوك"

منذ فترة أفكّر بأوضاعنا في سوريا (بغضّ النظر عن نظام الجولاني) ولبنان، وخصوصًا بالنقاش الدائر حول كيفية التعامل مع إسرائيل لتجنّب الإجرام الصهيوني. الفكرة السائدة تقول إن الحل هو تقديم تنازلات، وسحب الذرائع، وإزالة كل ما يمكن أن يستخدمه الإسرائيلي ذريعة للاعتداء.

هناك من يشبّه حكومة نواف سلام بحكومة فيشي، فتذكّرت كتاب قريته من فترة طويلة عن حكومة فيشي،   Robert O. Paxton's "Vichy France: Old Guard and New Order   وهو كتاب أحدث نقاشًا واسعًا في فرنسا لأنه أعاد النظر في الطريقة التي فُسِّرت بها مرحلة الاحتلال النازي.

قبل صدور هذا الكتاب كان في تفسير شائع في فرنسا يقول إن حكومة فيشي مارست ما يشبه “المقاومة السلبية”، أي أنها تعاونت بقدر محدود بهدف حماية فرنسا قدر الإمكان من قسوة الاحتلال. لكن التحليل اللاحق، بالاعتماد على الوثائق الألمانية، أظهر صورة مختلفة تمامًا: قادة فيشي لم يكتفوا بالتكيّف مع الاحتلال، بل بادروا أحيانًا إلى التعاون، وحاولوا إقناع أدولف هتلر بأن تكون فرنسا شريكًا في “أوروبا الجديدة” التي أرادتها ألمانيا النازية. وهذا، إلى حدّ ما، يشبه ما حصل في سوريا حرفيًا.

بحسب مؤلف الكتاب، هناك ثلاثة أخطاء شائعة في فهم تجربة فيشي:


- الخطأ الأول هو الاعتقاد بأن حكومة فيشي كانت درعًا يحمي فرنسا. لكن الوثائق الألمانية أظهرت أن حكومة فيشي بادرت إلى التعاون، وأن بعض السياسات القمعية لم تُفرض عليها بل اقترحتها هي نفسها. بمعنى آخر، لم يكن التعاون مجرد تكتيك دفاعي، بل جزءًا من مشروع سياسي واجتماعي حاولت النخبة الحاكمة تنفيذه.

- الخطأ الثاني هو الاعتقاد بأن النظام فرضه الاحتلال الفاشي بالكامل. في الواقع، كان نظام فيشي إلى حدّ كبير نتاج النخب الفرنسية المحافظة نفسها، التي رأت في الهزيمة فرصة للتخلص من الجمهورية الثالثة وبناء نظام سلطوي جديد.

- أما الخطأ الثالث فهو الاعتقاد بأن المجتمع الفرنسي كان مقاومًا منذ البداية. الحقيقة أكثر تعقيدًا: المجتمع لم يكن منقسمًا ببساطة بين خونة ومقاومين، بل شهدت السنوات الأولى قدرًا من التقبّل والتكيّف مع النظام الجديد، ولم تتسع المقاومة إلا لاحقًا مع تطور الحرب.
بكل الاحوال، في صعوبة بتطبيق هذا التحليل بحرفيته على بلدان مثل لبنان وسوريا. فالدولة في فرنسا آنذاك كانت دولة بيروقراطية قوية ومتماسكة، بينما في حالتنا الدولة ضعيفة أصلًا وليست مركز القوة الأساسي في المجتمع. لذلك فإن التعاون مع الاحتلال في سياق كهذا لا يؤدي إلى تثبيت الدولة كما حصل في فيشي، بل قد يؤدي بالعكس إلى مزيد من التفكك، لأن الدولة حينها ستدخل في صراع مع مراكز قوة داخلية تفوق قدرتها على الضبط والسيطرة.

منشورات ذات صلة