ماذا يتعلم علي خليفة وحراس سردية المستعمرة من أطفال مجتمع المقاومة؟

بقلم: مرام سعدي
(ناشطة)


لستُ متشددةً دينياً، ولا متعصبةً أيديولوجياً، ولا أؤمن بعصمة أي فكرة أو تجربة أو جهة. لكنني أؤمن بأن الاستعمار هو العدو، وأن الوقوف في مواجهته موقفٌ أخلاقي وسياسي قبل أن يكون انتماءً أيديولوجياً. لذلك، أنا مع كل من يقارع الاستعمار، أياً كان، لا لأنه معصوم عن الخطأ، بل لأن الانحياز إلى الشعوب في معارك تحررها يقتضي ألا نضع مقاومتها تحت شرط الكمال. أنا لا أبحث عن مقاومٍ بلا أخطاء، بل عن عالمٍ بلا استعمار. ولا أخلط بين نقد التجربة والالتحاق بخصومها، ولا بين الاختلاف مع من يقاوم والوقوف في الخندق الذي يريد هزيمته. فالتحرر ليس امتحاناً في الطهارة الأيديولوجية، بل معركة ضد منظومة الهيمنة التي تسلب الشعوب حقها في تقرير مصيرها.

في معرض الكتاب الدولي في بيروت، التقيت علي خليفة، كاتب كتاب «ماذا يتعلم أطفال حزب الله؟»، الذي أراه قائماً على مهاجمة الحزب وبيئته، وصولاً إلى التحريض على كشافة المهدي وأطفالها. اقتربت منه وسألته إن كان هو كاتب الكتاب، فأجابني بالإيجاب. كانت أمامي نسخة منه، فشطبت بعض العبارات وكتبت مكانها: «نخوة، كرامة، عزة». لم أكن أخطط لبطولة أو أبحث عن مشهد يستقطب المشاهدات؛ كان تصرفاً عفوياً وطبيعياً، نابعاً من رفضي أن يمر التحريض على هذه البيئة وأطفالها من دون اعتراض. وحين سألني إن كنت أعبر عن أخلاقي، أجبته: «طبعاً، أنا أعبر عن أخلاقي».

انتشر الفيديو على نطاق واسع، واعتبر كثيرون ما فعلته بطولة، لكنني لا أراه كذلك. أراه تصرفاً عادياً في مواجهة ما لا أعتبره عادياً. وربما كشف حجم التفاعل عن حاجة الناس إلى من يرد على الإسفاف والتحريض والظلم الذي تتعرض له هذه البيئة، خصوصاً بعد الحروب والانكسارات التي مرت بها. لقد شعرت في الفترة الأخيرة بفراغ في مساحة الرد، وكأن هذه البيئة تُترك وحدها أمام خصوم يستبيحون كرامتها، وكأن خساراتها تمنح الآخرين الحق في إهانتها والتشكيك في إنسانيتها.

ولذلك، فإن السؤال الذي أريد طرحه ليس فقط: ماذا يتعلم أطفال حزب الله؟ بل أيضاً: ماذا يتعلم علي خليفة، وماذا يتعلم حراس سردية المستعمرة، من أطفال هذه البيئة؟ ماذا يتعلمون من النخوة والكرامة والعزة، ومن حق هؤلاء الأطفال في التعلم والقراءة وإنتاج المعرفة، بدل تحويلهم إلى مادة للتحريض والتنميط؟ ومن منحهم حق اختزال جيل كامل في سردية عدائية، وتقديمه بوصفه موضعاً للاتهام، لا جيلاً له حقه في المعرفة والكرامة والمستقبل؟

أنا سعيدة إن كان هذا التصرف قد أراح شخصاً واحداً، أو منحه شعوراً بأنه ليس مضطراً إلى الصمت أمام الاستهداف. لكنني لا أريد أن تتحول الحادثة إلى احتفاء بشخصي، فالمسألة أكبر مني ومن شطب عبارات على غلاف كتاب. ما يعنيني هو أن تستعيد هذه البيئة ثقتها بنفسها، وأن تدرك أنها ليست مطالبة بالاعتذار عن وجودها، أو التخلي عن حقوقها، أو التبرؤ من تاريخها كي تستحق الاحترام.

واللافت أن كل ذلك حدث في معرض الكتاب الدولي في بيروت، المكان الذي يُفترض أن يكون مساحة للمعرفة والقراءة والإنتاج الفكري. ففي الوقت الذي يراهن فيه كثيرون على انكسار هذه البيئة، كان حضورها في المعرض وإقبال أبنائها على الكتب ومشاركتهم في الحياة الثقافية رداً بحد ذاته. وقد لاحظت أن معظم الحضور كانوا من أبنائها، جاؤوا لشراء الكتب والمشاركة في الحدث الثقافي. وهذا مشهد يستحق التأمل: بيئة تقرأ وتتعلم وتنتج المعرفة، لا الصورة النمطية التي يريد خصومها حصرها فيها.

لست أقول إن هذه البيئة بلا أخطاء، ولا أطالب أحداً بالتخلي عن حقه في نقدها. لكن النقد شيء، والتحريض شيء آخر. والاختلاف السياسي شيء، ونزع الإنسانية عن الناس واستباحة كراماتهم شيء آخر. ومن موقعي، أؤمن بأن الانحياز إلى المظلوم لا يعني مطالبته بالمثالية قبل الوقوف إلى جانبه، ولا منح المستعمر امتياز تحديد من يستحق التضامن. فالوقوف مع من يقاوم الاستعمار لا يقتضي التخلي عن التفكير النقدي، بل يقتضي ألا يتحول النقد إلى ذريعة للالتحاق بمشروع الهيمنة أو تبرير الظلم الواقع على الشعوب.

وأنا، بوصفي فلسطينية، أرى في تضحيات أبناء هذه البيئة وشهدائها، الذين قدموا أرواحهم دفاعاً عن المظلوم ومساندةً لقضيتنا في مواجهة الاستعمار، امتداداً لمعركة انتزاع الحقوق والحرية. ومن هذا الموقع، أرى أن ما فعلته استكمالٌ لهذه الحالة الوجودية التي تجمعنا: الانحياز إلى المظلوم، ومقارعة الاستعمار، ورفض ترك أصحاب الحق وحدهم في مواجهة الظلم.

ما فعلته لم يكن بطولة، بل موقفاً عادياً في وجه أمرٍ لم أعتبره عادياً. وما أتمناه ليس أن يصفق الناس لي، بل أن تستعيد هذه البيئة صوتها وثقتها وقوتها، وأن تتمسك بحقوقها وبالعلم والمعرفة، وأن تدرك أن المستقبل لا يُصنع بالانكفاء أو بالخجل من الذات، بل بالوعي والتنظيم والتمسك بالحق. فالشعوب التي تراهن القوى المهيمنة على كسرها لا تثبت حضورها في الميدان وحده، بل أيضاً بمواصلة القراءة والتعلم والإنتاج، ورفض السماح لخصومها باحتكار الكتابة عنها، وتعريفها وتحديد صورتها ومصيرها.

*نشر المقال على صفحتها على فيسبوك

منشورات ذات صلة