عن التفاوض المباشر مع العدو وشروطه على لبنان منذ 1983 - 1982

 رافي مادايان*

ينطلق الكيان الاسرائيلي في مقاربته للملف اللبناني انطلاقا" من الأرشيف التاريخي وتجاربه مع لبنان واللبنانيين منذ 1948 وبالتالي اذا كانت حكومة نتنياهو تحضّر دفتر شروطها وأوراقها للتفاوض مع الحكومة اللبنانية، فلا بد أنها تستند في ذلك الى نتائج مفاوضات نهاية 1982- أيار 1983 والى أفكار وملاحظات ديفيد كيمحي رئيس الوفد الاسرائيلي إلى المفاوضات مع لبنان آنذاك.

شهد لبنان آنذاك حوالي 33 جولة من المفاوضات جرت في خلدة وكريات شمونة ونتانيا، وكان الجانب الاسرائيلي يعمل دائما على تحويل ثمار العدوان العسكري والاحتلال إلى ترتيبات سياسية تشبه اتفاقية كامب ديفيد بصيغة لبنانية. يقول وزير الخارجية في حكومة أمين الجميّل ايلي سالم في مذكراته الصادرة عام 2024 أن الاتفاق اللبناني - الاسرائيلي (17 أيار 1983) فشل بسبب الانقسام الداخلي اللبناني و ربط الجانب الاسرائيلي جلاء قواته من لبنان بانسحاب القوات السورية أيضًا وبسبب الاعتماد المفرط على الضمانات الأميركية. طبعًا، نسي ايلي سالم أن يذكر أن المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الاسرائيلي كانت سببًا رئيسيًا في اسقاط اتفاقية 17 أيار 1983. قدّم ديفيد كيمحي (مدير عام الخارجية وأحد قادة الموساد) الشروط الاسرائيلية بالشكل التالي - و ما زالت هي نفسها اليوم:

1.  انهاء حالة الحرب و اعتراف متبادل بسيادة كل دولة و انتقال العلاقة بين البلدين من عداء قانوني الى حالة لا حرب.
2.   يجب أن لا يعود جنوب لبنان قاعدة للفدائيين الفلسطينيين أو اي مجموعات مسلحة، ولذلك ينتشر الجيش اللبناني في الجنوب لمنع أي وجود مسلح للفصائل الفلسطينية و لمراقبة الحدود و اقامة آليات للتنسيق الأمني المباشر بين الطرفين.
3.    انشاء منطقة أمنية جنوبي الليطاني أو بمحاذاة الحدود تشرف عليها قوات لبنانية حليفة لاسرائيل أو بالتنسيق معها (قوات العميل سعد حداد)، وهي المنطقة التي تحولت الى الشريط الحدودي حتى التحرير عام 2000. اضافة الى مناورات مشتركة و تنسيق أمني مباشر بين الجيشين (تحالف أمني).
4.    اقامة محطات انذار مبكّر و أبراج مراقبة ونقاط انصات على المرتفعات (يطالب الجانب الاسرائيلي حاليًا بالسيطرة على 18 تلة حاكمة) ولا سيما جبل الباروك ومناطق تشرف على الجنوب والبقاع. ويضيف اليوم مراقبة جوية بواسطة المسيّرات ومراقبة بحرية.
5.    تربط "اسرائيل" انسحابها من لبنان بانسحاب القوات السورية من لبنان، وهو الشرط الذي اعتبره ايلي سالم تعجيزيًا يهدف الى اجهاض الاتفاق.
6.    انشاء مكتب اتصال أو بعثة دبلوماسية دائمة أو لجان مشتركة دائمة (من أجل تطبيع
العلاقات) في بيروت والقدس.

هذه الشروط تعادل اتفاقًا سياسيًا - أمنيًا يُفرض على لبنان تحت الاحتلال. باختصار، اشترط ديفيد كيمحي انهاء حالة الحرب بصورة رسمية واعتراف متبادل بالسيادة و آلية علاقات طبيعية واقامة منطقة آمنة في الجنوب وانتشار الجيش اللبناني فقط في الجنوب ومنع أي سلاح غير رسمي و انشاء آليات تفتيش ومراقبة وضمان عدم عودة الجنوب قاعدة للمقاومة ضد "اسرائيل". ويضاف اليوم تهجير السكان من المناطق الحدودية وتدمير البنى التحتية والمنشآت المدنية فيها بعمق 7-8 كلم - منطقة عازلة. و هذا يعني، وفق نظرية السلام الاسرائيلية، أن سيادة لبنان ووجود حكومة مركزية قوية في بيروت تنسق أمنيًا مع "اسرائيل" يجب بالضرورة أن تتناقض مع أي نشاط معادي للكيان في الجنوب اللبناني.

هذا ما ينتظر الآن، الحكومة اللبنانية الراغبة في اجراء مفاوضات مباشرة مع العدو و الرافضة أن يشمل اتفاق وقف اطلاق النار بين أميركا وايران لبنان وذلك ما خلق علامة استفهام وتعجب لدى الوسيط الباكستاني (رئيس حكومة باكستان شهباز شريف)، وللمفارقة المؤسفة أن موقف حكومة نواف سلام يتقاطع مع موقف نتنياهو لداعي الى فصل جبهة لبنان عن جبهة ايران - حتى يستمر الجيش الاسرائيلي في تدمير لبنان و قتل شعبه و احتلال أرضه في الجنوب - وخلفية ومبرر سلوك حكومتنا هو الرفض الأميركي الاعتراف بانتصار ايران والمقاومة في لبنان، أي رفض اعطاء أي رصيد أو فضل أو فخر للمقاومة في الانجاز الحاصل المتمثل في وقف اطلاق النار ووقف العدوان الاسرائيلي.

كما أود الاشارة هنا الى أن العدو الاسرائيلي هو من يستبيح لبنان، وليس حزب اللّه و"اسرائيل" معًا كما قال أحد رجال الدين المسيحيين في عظته مؤخراً بمناسبة قيامة السيد المسيح، وقد علّمنا سيدنا المسيح أن لا نكون محايدين بين الحق والباطل وبين الظالم والمظلوم، والشهداء المقاومين الأرمن مانويل بابكيان وكريكور حكيميان اللذان ارتقيا على أرض الجنوب في الأيام الأخيرة جسدا تعاليم السيد المسيح.

- ألقيت هذه الكلمة خلال ندوة في ساحة الشهداء في ١٣ نيسان ٢٠٢٦ "رفضًا للتفاوض المباشر"


*الأمين العام للقاء "مستقلون من أجل لبنان"

منشورات ذات صلة