المفاوضات المباشرة مع العدو تنتهك الدستور والميثاق
أسامة رحّال*
في زمن التحوّلات السياسية الكبرى في المنطقة، يغدو الدستور، أكثر من أي وقت مضى، أداة لتحقيق أكبر قدر ممكن المكاسب، وتصبح الخِفة في التعامل مع أحكامه أصلًا لخيارات أهل السلطة، وبهذا تصير بديّهيّة عدم دستورية المفاوضات المباشرة مع العدو، مسألة بحاجة إلى إثبات.
أولًا - صلاحية رئيس الجمهورية بالمفاوضة في الاتفاقيات الدولية
يتذرع المؤيدون للمفاوضات المباشرة مع العدو الإسرائيلي، بحق رئيس الجمهورية بالمفاوضة في الاتفاقيات الدولية بموجب المادة 52 من الدستور، لكنّ هذه المقولة دون احترام القواعد الدستورية الأخرى تبقى مقولة متهافتة، إذ لا يمكن تفسير مواد الدستور إلا بتقنيات تجمع بين مبادئ دستورية حاكمة وسياق تاريخي يظهر مقصد المُشرع والتكامل بين مواد الدستور.
وتنصّ المادة 52 من الدستور على أنّ رئيس الجمهورية يفاوض في المعاهدات الدولية، لكنّ الإبرام يحتاج دائمًا إلى موافقة مجلس الوزراء، وفي حال كانت الاتفاقية ترتب تبعات مالية أو يحظر الخروج منها سنويًا، فلا تصبح مبرمة إلّا بعد موافقة المجلس النيابي.
لكنّ حكومة الرئيس نواف السلام وبموافقة رئيس الجمهورية جوزاف عون، لم تحترم هذا النصّ الصريح والواضح للمادة 52 الذي يوجب موافقة مجلس النواب قبل إبرام الاتفاقيات الدولية التي لا يجوز فسخها سنة فسنة عندما ابرمت اتفاقية الحدود البحرية مع قبرص، بما يجعل تعامل هذه الحكومة ورئيس الجمهورية مع أي اتفاقية دولية موضع شك أكبر.
والأهم أن إعطاء رئيس الجمهورية الحق في التفاوض ليس معزولًا عن أيّ ضوابط أو قواعد دستورية وقانونية أخرى، فالحق في التفاوض شيء وشرعية ومشروعية موضوع التفاوض مسألة أخرى، وهذه الصلاحية وإن وردت بصيغة صريحة بالنص الدستوري إلا أنها ليست سلطة مطلقة أو مستقلة بذاتها، بل هي وظيفة دستورية مُقيدة بالكُتلة الدستورية وبالقوانين النافذة التي تشكل جزءًا من النطام القانوني الملزم وفق ما سنشرحه تاليًا.
ثانيًا - في المفاوضة المباشرة مع العدو الإسرائيلي باعتبارها اعترافًا ضمنيًا
الاعتراف بالدول في القانون الدولي هو: " تسليم من جانب دولة قائمة باستكمال دولة جديدة بكل عناصر الدولة الثلاث وهي الشعب، والإقليم والسلطة الحاكمة، وقبول التعامل معها كعضو
H. Lauterpacht, Recognition in )".في الجماعة السياسية
((International Law, 6
والاعتراف مسألة مرجعها إلى النية الحقيقية للدولة المعترفة.
وقد يكون صريحًا أو ضمنيًا، ففي بعض الظروف قد تستشف هذه النية من بعض التصرفات لتلك الدولة من قبيل دخولها في علاقات دبلوماسية مع الدولة الأخرى كتبادل السفراء أو القناصل، وتعتبر هذه الحالات من أوضح صور الاعتراف الضمني التي لا مجال فيها للشك في انصراف إرادتها إلى الاعتراف بالدولة الجديدة.
ولا شك أنّ التفاوض المباشر مع أي دولة بشكل ندّي، وبمستوى رفيع من التمثيل، يعني اعترافًا ضمنيًا بها، مع ما يحمل هذا الاعتراف من تسليم بصحة عناصر هذه الدولة وقبولها كعضو في الجماعة السياسية الدولية.
وفي حال التفاوض المباشر مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، فإنّ ذلك يعني اعترافًا ضمنيًا من لبنان بهذا الكيان، وموافقة على عناصر تشكيل الدولة.
وبما أنّ الصلاحيات الخاصة الواردة لرئيس الجمهورية هي استثناء على مبدأ أن صلاحيات السلطة التنفيذية هي لمجلس الوزراء مجتمعًا (المادة 65 من الدستور)، ومن بين صلاحيات المجلس وضع السياسيات الخارجية (البند 1 من المادة نفسها)، والتي ليس أقلّها الاعتراف بدولة ما، فلا يمكن التذرع بصلاحيات رئيس الجمهورية بالتفاوض الواردة في المادة 52 لتمرير الاعتراف الضمني بدولة، فكيف إذا كان المراد الاعتراف به هو كيان العدو، فالاعتراف هو عمل قانوني وسياسي في آن، ولا يمكن الالتفاف عليه بهذه الخفة.
ليس هذا وحسب، بل إنّ مجرد الاعتراف الضمني، عبر تفاوض مباشر هو تسليم بعناصر "الدولة" الأخرى، كما شرحنا، مع ما يحمل ذلك من اعتراف بعنصر "الشعب"، وكما هو معلوم فإنّ كيان الاحتلال الإسرائيلي لا يعترف بحق العودة للاجئين الفلسطينيين، فالاعتراف الضمني عبر تفاوض مباشر يؤدي قانونيًا إلى توطين اللاجئين الفسلطينيين في لبنان، وهو بالتالي مخالف لمقدمة الدستور اللبناني بفقرتها "ط" التي تحظر التوطين، كما هو اعتراف بعنصر "الأرض"، برغم كونها "دولة" بلا حدود واضحة، وتطمح، كما صرّح مسؤولوها علنًا، إلى توسيع "إقليمها" في غزة وجنوب لبنان وجنوب سوريا، وبرغم احتلال العدو لمزارع شبعا اللبنانية، بما يشكّل مخالفة للمادة 2 من الدستور اللبناني، التي تمنع التنازل أو التخلي عن أي جزء من الإقليم اللبناني.
وعلى سبيل الاستطراد، فإنّ الدولة اللبنانية نفسها كانت بموافقتها على "مبادرة السلام العربية" والتي دأبت على الإعلان المتكرر حول التمسك بها (التي رفضتها "إسرائيل") قد وضعت شروطًا للاعتراف، منها على سبيل المثال، حق العودة للاجئين وقيام دولة فلسطينية مستقلة وغيرها من شروط المبادرة، وكل هذه الشروط لم تتحقق.
ثالثًا - العداء مع "إسرائيل" مسألة دستورية وميثاقية في آن
إنّ نصوص الدستور وضعت لتطبق وتفسر معًا، ولا يجوز تفعيل مادة لتعطيل أخرى، والتذرع مثلًا بحق رئيس الجمهورية في المفاوضات يجب أن يأخذ في الحسبان، نصوص ومبادئ الدستور الأخرى مثل الفقرة "ط" من الدستور التي تمنع التوطين، والفقرة "ي" التي تنصّ على عدم شرعية السلطات غير الميثاقية، والمادة 49 التي توجب على الرئيس الخضوع للدستور، والمادة 60 التي تُجرم خرق رئيس الجمهورية للدستور.
ويشكّل مبدأ المشروعية أحد الركائز الأساسية في النظام الدستوري اللبناني, إذ يقضي بخضوع جميع السلطات العامّة، بما فيها السلطة التنفيذية في ممارستها للأعمال السيادية، لأحكام الدستور والقوانين النافذة، بحيث لا يجوز لأي سلطة أن تمارس اختصاصاتها خارج هذا الإطار أو بمعزل عنه، فحتى ما يُعرف بالأعمال الحكومية، التي لا تخضع لرقابة القضاء الإداري بالأصل، تصبح خاضعة لهذه الرقابة لو خرقت بشكل فاضح صلاحيات السلطات الأخرى.
وانطلاقًا من ذلك، فإن صلاحية التفاوض الدولي، وإن أُنيطت برئيس الجمهورية بموجب المادة 52 من الدستور، تبقى خاضعة لقيود المشروعية، ولا يمكن اعتبارها صلاحية مطلقة أو مستقلة عن باقي المنظومة القانونية، ويجب أن يراعي هذا التفاوض القواعد القانونية المرعية الإجراء، ولا سيما تلك التي تحظر أو تنظّم طبيعة العلاقات مع جهات معينة. فإنّ أي تفاوض مباشر مع العدو الإسرائيلي يخرق القواعد القانونية الآتية:
1- قانون مقاطعة "إسرائيل": يجرّم قانون مقاطعة "إسرائيل" الصادر بتاريخ 23-06-1955 صراحةً أي تعامل أو تواصل مباشر معها أيَّا كان هذا التعامل، بموجب المادة الأولى منه، فيكون أي تواصل سياسي مباشر مع "إسرائيل" مخالفًا لأحكام هذا القانون، وتستوجب إنزال العقوبات الواردة فيه على المخالفين، فالتفاوض المباشر، بوصفه شكلًا من أشكال الاتصال الرسمي بين الدول، يندرج بطبيعة الحال ضمن عنوان التواصل والتعامل المحظور.
2- اجتهاد المحاكم اللبنانية: إنّ حالة العداء مع "إسرائيل"
ثابتة، ليس فقط بقانون مقاطعة إسرائيل، بل أيضا باجتهاد المحاكم اللبنانية المُستقر وغير المنازع به في آلاف القرارات القضائية المُبرمة، والتي جرّمت التواصل مع "إسرائيل" وفق قانون العقوبات إلى جانب قانون المقاطعة، حيث طبّقت المحاكم اللبنانية العدلية، بمختلف أنواعها ومستوياتها، المواد المذكورة في قانون العقوبات، ومنها مثلًا المواد من 285 إلى 287 تحت عنوان "الصلات غير المشروع مع العدو"، والمواد
281 إلى 284 تحت عنوان "التجسس"، على أفعال تمّت لمصلحة "إسرائيل".
3- وثيقة الوفاق الوطني: تنصّ وثيقة الوفاق الوطني، على وجوب تحرير الأرض بالوسائل المتاحة كافة، فإنّ التفاوض المباشر، دون ضمان تحرير الأرض، يكون بلا شك، مخالفًا لاتفاق الطائف.
4- مخالفة العُرف الدستوري بشأن العداء مع "إسرائيل": بداية، ليس غريبًا على النظام الدستوري اللبناني، اتّباع العُرف الدستوري، رغم وجود دستور مكتوب، فالعُرف الدستوري أحد مصادر القاعدة الدستورية في لبنان، ليس أقلّه في مسألة توزيع الرئاسات الثلاث بين الموارنة والشيعة والسنة. والعُرف الدستوري يحتاج إلى عنصر مادي وهو التكرار، وإلى عنصر معنوي هو حالة إلزام يشعر بها المجتمع.
ومن ناحية قانونية لم تنته حالة العداء في لبنان منذ مشاركته إلى جانب الدول العربية في حرب العام 1948، حيث ما تزال هدنة العام 1949 قائمة، ومعترفًا بها دوليًا كإطار للعلاقة بين لبنان وكيان الاحتلال، وهو ما أكّد عليه بيان اللجنة الثلاثية العربية العليا الذي أعلن ولادة اتفاق الطائف عام 1989، وكما هو مذكور في البند 8 من القرار 1701 الصادر عام 2006 عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، حيث وُضعت اتفاقية الهدنة مرجعية في قضية الحدود بين لبنان والعدو وذلك بإشراف الأمم المتحدة، بحيث أصبح ذلك أمرًا قائمًا وثابتًا ومستقرًا، مما يجعل التفاوض غير المباشر مع العدو الإسرائيلي هو الإطار المسموح اعتماده في هذا المجال.
كما تبقى حالة العداء ثابتة دستوريًا وواقعيًا بوجود الاحتلال، فليس أبده من العداء مع وجود احتلال للأرض مستمر منذ عشرات السنوات، لأنّ ذلك يعني اعتداءً على إقليم الدولة.
ومما يؤكد تأسيسية الموضوع أنّ المحاولة الوحيدة لكسر حالة العداء مع كيان الاحتلال، كان في اتفاق 17 أيار الذي انتهى به الأمر بثورة شعبية أسقطته، فالمواضيع الدستورية والتأسيسية التي تدخل في صلب العقد الاجتماعي والسلم الأهلي للمجتمع تصبح دستورية بطبيعتها وفقًا للنظرية الموضوعية في تعريف القانون الدستوري.
حتى أنّ رئيس الحكومة الحالي نواف سلام حين يقول إنّه كسر محظور التفاوض المباشر مع "إسرائيل" هو يعترف ضمنيًا بالعُرف الدستوري القائم بالعداء مع "إسرائيل" الذي تكرر منذ العام 1949 والذي يؤمن به اللبنانييون منذ ذلك الوقت، وإنّ أي تعديل على العُرف يحتاج إلى عقد اجتماعي جديد بين المكونات والطوائف اللبنانية لا يقل عن اتفاق الطائف والفقرة
3 منه، فتلك ليست مسألة يمكن الاستفراد بها بالأكثرية.
5- مخالفة مبدأ الميثاقية الدستوري: تنصّ الفقرة "ي" من مقدمة الدستور اللبناني على أنّه "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك". ولا شك أنّ التفاوض المباشر لأنّه مرتبط بقضية تمسّ بأمن إحدى الجماعات الأساسيّة المكوّنة للبلد وسلامتها وحتى وجودها، إذ اعترف مسؤولو كيان العدو بنيتهم إبادة مكوّن طائفي، أي احتلال وتدمير وتهجير المناطق التي يسكنها اللبنانيون المسلمون الشيعة في جنوب لبنان، كما عبّر عن ذلك جيش الاحتلال الإسرائيلي برسمه حدود أوامر الإخلاء في غير منطقة لبنانية على أساس الوجود الشيعي فيها، وكما أكّد على ذلك سفير الولايات المتحدة الأمريكية في لبنان بتصريح له، كاشفًا طلبه من الجانب "الإسرائيلي" تحييد القرى المسيحية عن الحرب.
هكذا تصبح مسألة من هذا النوع مسألة تأسيسية وميثاقية، وهو الأمر الذي يدركه رئيس الجمهورية، وحاول حلّه بسعيه إلى مشاركة مندوب شيعي يرضى عنه الثنائي الشيعي في الوفد المفاوض المقترح، من أجل تأمين ميثاقيته.
وعليه، فإنّ الإقدام على تفاوض مباشر في ظل هذا الواقع الدستوري والقانوني يشكّل مخالفة دستورية وقانونية، وبالتالي خروجًا عن مبدأ المشروعية وعن وثيقة الوفاق الوطني لا سيّما فقرتها "ثالثًا"، ويرقى إلى مستوى الانحراف في استعمال السلطة، باعتبار أن الصلاحية تُستخدم في غير الغاية التي خصصت لها دستوريًا.
* محامٍ وباحث في القانون الدستوري - عن مجلة محكمة